بسم الله الرحمن الرحيم
كلّما
تقدّم الزمان، احتاج الناس إلى نماذج بشريّة مشرقة تُحيي فيهم الأمل، وتبعث فيهم
الحماس، فتستعيد الأجيال اللاحقة منها سر نهضتها وتميزِها، ولتستنير بها في سيرها
إلى الله سبحانه.... ولقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ نماذج هذه الأمّة
ممّن يُقتدى بهم.
واليوم
بإذن الله، سيكون الموضوع عن واحد من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّمْ الذي لم تلهه دنياه عن آخرته، ولمتشغله
قرابته عن نبيّه، ولم تبعده أمواله عن دعوته..إنَّه الفتى مصعب بن عمير.
كان
في صغره وقبل إسلامه شابا غنيّا جميلا مدللا منعما، حسن الوجه يلبس أحسن الثياب
وأغلاها، يعرفه أهل مكّة بعطره الذي يفوح منه دائما، وأبواه كانا يحبّانه حبّا
عظيما، ولا يردّا له طلبا.حتى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يذكره ويقول: "مَا
رَأَيْتُ بِمَكَّةَ أَحَدًا أَحْسَنَ لِمَّةً، وَلَا أَرَقَّ حُلَّةً، وَلَا
أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ"، فبلغه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يَدعو إلى الإسلام في
دار الأرقم، فدخل عليه فأسلم مصعب الفتى، فعلمت به أمّه وكانت تحبّه حباًّ شديداً، فحاولت
أن تُثنّيه عن الإسلام فلم يستجب لها، فحبسته وحرمته من كلّ نعيم كانت تَغدُقه
عليه.
لكنّ مصعبا كان يعلم أنّ ما حُرم منه
في هذه الدنيا فما عند الله خير وأبقى، فهو ليس عنده أيّ تنازل أمام أمّه، وليس
لديه خيار آخر غير الإسلام، فلم يزدَدْ إلاّ ثباتا ورسوخا ولسان حاله يقول: ماضٍ
وأعرف ما دربي وما هدفي، ولن أترك ديني مهما حلّ بي من ضيق وشدّة.
ولماّ
اشتدّ الإيذاء بالمسلمين، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد منها إلى مكّة، ثمّ هاجر
إلى المدينة، لقد اختاره واعتمده النبي صلى الله عليه وسلم أوّلَ وخيرَ سفير في
الإسلامِ إلي يثرب، ليُعلِّم الناس القرآن ويُصلّي بهم..
وتمضي
الأيّام والأعوام، وفي غزوة أحد، اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مصعبا ليحمل
لواء المسلمين، وتقع المعركة ويحتدم القتال، وكان النصر بداية للمسلمين، ولكنّ
سرعان ما تحول النصر إلى هزيمة لماّ خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونزلوا من فوق الجبل يجمعون الغنائم، فأخذ المشركون يقتلون المسلمين الذين بدأت
صفوفهم تتمزّق، فركّز الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا يتعقّبونه،
فأدرك مصعب هذا الخطر، ومضى يقاتل، وهمّه أن يُلفت أنظار الأعداء إليه ليُشغلهم عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجمع الأعداء حول مصعب، فضرب أحدهم يده اليمنى
فقطعها، فحمل اللواء بيده اليسرى فقطعها عدوّ الله، فضمّ اللواء إلى صدره بعضديه،
وهو يقول: وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل، فضربه ضربة ثالثة فقتله فمات
شهيدا رضي الله عنه.... كانت خاتمة
مصعب الشهادة في سبيل الله... ولقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من كان ترك شيئاً لله عوّضه الله خيرا منه".
اعلموا،أَنَّ
رحل مصعب ليقول لك أيّها التائه في البحث عن السعادة..
من كان يظنّ أنّ السعادة في المال أو
الجاه فقد أخطأ..
من كان يظنّ أنّ السعادة في النسب أو
الشرف فقد أخطأ..
من كان يظنّ أنّ السعادة في المنصب أو
السلطة فقد أخطأ..
رحل مصعب ليقول لكل فرد من هذه الأمّة،
من كان يريد الرفعة والعزّة والسعادة فليطلبها في طاعة الله عزّ وجلّ وطاعة رسوله
صلى الله عليه وسلم
فاللّهم
أحيينا حياة السعداء، وأمتنا موت الشهداء، وارزقنا مرافقة الأنبياء، وجدّد في هذه
الأمّة بطولاتِ أولئك الأبطال المرضيّين، واجمعنا وإيّاهم مع حبيبك ورسولك محمد في
أعلى علّيّين...
ايّهاالإخوة
في الله...
فأنَّ
الشباب لهم دورمهمّ في دعوة الإسلام، لأنّ الشباب كجيل الناشئ ليستمرَّحياة الأباء
وسوف يتأثّربالشباب في بلادهم مؤثّرة تامّة، إنَّ في أيديهم أمرالأمّة وفي أقدامهم
حياتهم...
الملك : أثنى شريفة الماهرة